عبد الملك الجويني

97

نهاية المطلب في دراية المذهب

[ ما ] ( 1 ) ذكرناه من جواز الاستفصال من القاضي مردوداً إلى خِيَرته ، ولكنَّه ينظر إلى حال الشاهد ، فإن رآه على عدالته خبيراً بشرائط الشهادة ، فطناً ، مستقلاً ، فله ترك الاستفصال حتماً ( 2 ) . وإن تمارى في أمره ، فلابد من الاستفصال . وقد يقع حالة لا تجب المباحثة فيها حتماً ، والاحتياطُ يقتضيها ، وهذا من خفايا أحكام القضاء . وستأتي مستقضاة في موضعها . ثم إذا استفصل القاضي ، فهل يتعين على الشاهد التفصيلُ في أن [ المسؤول ] ( 3 ) عنه شرائط الإقرار ؟ فعلى وجهين : أحدهما - يتعين عليه ذلك . والثاني - لا يتعين عليه . ولا خلاف أنه لا يجب على الشاهد تفصيلُ المكان والزمان ، وإن استفصل القاضي ، والفرق أن الجهل بالمكان والزمان لا يقدح في الشهادة ، والجهلُ بالشرائط يقدح . وإنما قبلنا الإقرار المطلقَ للعلم الظاهر باستقلال الشاهد بالإحاطة بالشرائط ، والثقةِ بأن الإقرار لو كان عديم الشرط ، لما استجاز الشاهدُ - مع العلم والعدالةِ - ذكرَ ( 4 ) الإقرار المطلق . 4451 - ومما يتعلق بتمام البيان في هذا ، أن الشاهد لو قيد الإقرار المشهودَ به بصحة العقل ، فقال المشهود عليه : كنتُ مجنوناً ، إذْ لفظت بالإقرار ، فلا يقبلُ مجرّدُ قول المشهود عليه . فإن أطلق الشاهد الشهادةَ على الإقرار ، ولم يتعرض للعقل ، وعسر الاستفصال ، [ لبعض ] ( 5 ) الأسباب ، فقال المشهودُ عليه : كنت مجنوناً لما لفظت بالإقرار ، نُظر : فإن عُرف له حالة جنون فيما سبق ، فالقول قوله مع يمينه ، وإن كان ظاهرُ الشهادة مشتملٌ على تقدير اجتماع الشرائط ، ومنها العقل . ولكن إذا لم يقع له تعرض ،

--> ( 1 ) في الأصل : مما . ( 2 ) كذا . ولعل العبارة : فلا بد من ترك الاستفصال حتماً . ( 3 ) في الأصل : للمسؤول . ( 4 ) في الأصل : ذكرُ . ( بالرفع ) . ( 5 ) في الأصل : فبعض .